وراء الانقلابات

انقلاب 15 يوليو/تموز ومنظمة فيتو

15 July 2016 Failed Coup

إن تاريخ تركيا الحديث قد تقاطع مع عدة انقلابات عسكرية منذ تأسيسها في 1923م. وعمل الجيش كحامي القيم العلمانية في الجمهورية المؤسسة حديثاً، وتدخل في النظام السياسي في أوقات معينة من التاريخ. واستمرت مرحلة الحزب المنفرد حتى العام 1946م مع حزب مصطفى كمال أتاتورك، حزب الشعب الجمهوري (ج هـ ب)، وكانت محاولات الانتقال إلى نظام تعدد الأحزاب قد أُعيقت بحجة أن البلد لم يكن “مهيئاً” بعد. وقد أشير إلى عام 1946م بأنه نهاية مرحلة الحزب الواحد، وذلك من خلال تأسيس الحزب الديمقراطي الذي حصد أغلبية الأصوات في 1950م وأصبح الحزب الحاكم. وفي غضون عشرة أعوام، حدث أول انقلاب عسكري في تركيا الحديثة في 27 مايو/أيار 1960م، نتج عنه الإطاحة برئيس الوزراء عدنان مندريس وإعدامه.

عدنان مندريس

ولَّد النظام السياسي في أعقاب انقلاب 1960م سلسلة من ائتلافات حكومية غير مستقرة. ونظم الجيش انقلاباً ثانياً في 1971م، وآخر في 12 سبتمبر/أيلول 1980م. وأيضاً في 28 فبراير/شباط 1997م. قدم الجيش إنذاراً لحزب الرفاه وحزب الطريق القويم بقيادة حكومة التحالف مع القلق من كون العلمانية تحت التهديد. وتم تسجيل هذا الإنذار بمثابة انقلاب حديث وأسفر عن استقالة رئيس الوزراء نجم الدين أربكان. وفي 15 يوليو/تموز 2016م حاول مجموعة من الجنود داخل الجيش الانقلاب للإطاحة بالحكومة المنتخبة ديمقراطياً، وهي محاولة الانقلاب الخامسة في تاريخ تركيا، إلا أن المحاولة الأخيرة باءت بالفشل.

شارت اعترافات بعض الجنود الانقلابيين وعدد من الوقائع التي حدثت ليلة الانقلاب إلى فتح الله غولن، الداعية التركي المقيم في الولايات المتحدة، بكونه الشخص الذي أمر بتنفيذ الانقلاب في الواقع. وقبل حدوث محاولة الانقلاب، كان قد تم الإعلان رسمياً أن حركة غولن منظمة إرهابية (المدعوة فيتو) من قبل الحكومة التركية في مايو/أيار 2016م، وذلك عقب اجتماع لمجلس الأمن الدولي بعد أن أصبح من الواضح أن أتباع الحركة قد تغلغلوا في المؤسسات الاستراتيجية للدولة.

جنود على جسر البوسفور

إن فتح الله غولن زعيم ديني تركي، يبلغ من العمر 75 عاماً، يعيش في منفى اختياري في ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة منذ 1999م. وقيل أنه قد انتقل إلى هناك لأسباب علاجية وبقي هناك منذ ذلك الحين، وأسس حركة تدعى الخدمة.

وعلى الرغم من أن غولن نـفـى أي تورط له في الانقلاب الفاشل، إلا أن تحقيقات شبكة حركة غولن المعقدة والممتدة بشكل مذهل ونموها ترفع الشك، وفي هذا الجزء، فإن الدليل المتعلق بتورط غولن وأتباعه في الانقلاب موجود.

مالذي حدث في 15 يوليو/تموز؟

في 15 يوليو/تموز 2016م، شرعت مجموعة داخل الجيش التركي بمحاولة انقلاب للإطاحة بالحكومة والرئيس رجب طيب أردوغان. فتحت هيلوكبترات الجيش النيران على المواطنين الذين تجمعوا أمام مقرات الأركان العامة التركية في أنقرة. واستولى الجنود الموالون للانقلاب على مقرات الأركان العامة وتلفزيون (تي آر تي) التابع للدولة، كما أغلقوا جسرين على البوسفور، وقد تم قصف مركز القوات الخاصة (غول باشا) في أنقرة من الجو؛ ما أسفر عن مقتل 50 من أفراد الشرطة.

وتعرض البرلمان التركي للقصف من قبل الطائرات الحربية 11 مرة. وفتحت الهيلوكبترات النار على فندق في مرمريس حيث كان الرئيس أردوغان يقضي إجازته، وكان الرئيس قد غادر قبل ذلك بدقائق. قام الجنود بمحاصرة المباني، وقد قتل ضابطا شرطة في الاشتباكات التي تبعت ذلك.

كما أسقط الانقلابيون قنبلتان بالقرب من المجمع الرئاسي في أنقرة؛ ما أدى إلى مقتل 5 مدنيين، وقتل الانقلابيون 246 شخصاً، بينهم 179 مدنياً، كما أصيب 1540 من بينهم 1390 مدنياً.

People took to the street on the night of the failed coup attempt.
المواطنون نزلوا إلى الشارع ليلة محاولة الانقلاب الفاشلة

مالذي قالته الشهادات حول ما حدث؟

في شهادة مقدمة إلى النيابة العامة في أنقرة، ورد أن المقدم ليفينت توركان، المعاون الشخصي لرئيس الأركان العامة الجنرال أكار، اعترف بوجود ارتباطات مع فيتو. وقد أبلغ أن توركان قد قال بأنه كان عضواً مخلصاً لحركة غولن منذ شبابه. واعترف أيضاً بالتجسس على رئيس الأركان السابق نجدت أوزيل بين العامين 2011-2015م. وقال توركان: ” كنت أتجسس على رئيس الأركان (السابق) نجدت أوزيل كل الوقت. أضع جهازاً في غرفته في الصباح وآخذه في ساعات المساء”.

Levent Turkkan (circled) the aide-de-camp to Chief of General Staff admitted loyalty to Gulen
اليفينت توركان- المعاون الشخصي لرئيس الأركان العامة، الذي اعترف بالولاء لغولن

كما ورد أن رئيس الأركان العامة خلوصي أكار قد قال في شهادته إن الانقلابيين حاولوا جعله يتحدث مع فتح الله غولن، وأضاف أن العميد هاكان إفريم حاول إقناعه بالحديث إلى غولن أثناء محاولة الانقلاب، لكنه رفض فعل ذلك. وأشار إلى أنه حاول حث ضباط الانقلاب على التخلي عن محاولتهم للانقلاب قبل أن يُقتل أي أحد.

Chief of General Staff Gen. Hulusi Akar was taken hostage by pro-coup soldiers.
رئيس الأركان العامة الجنرال خلوصي أكار تم أخذه كرهينة من قبل الجنود الموالين للانقلاب في 15 يوليو/تموز 2016م

وتفيد التقارير أن أبو بكر باشل، قاضي التحقيق في مجلس الشورى، قال بأنه التقى بـ (الغولنيين) في المدرسة الثانوية وباشر حينها الذهاب إلى بيوت النور- أول وحدة للمنظمة، وتابع “إن وظيفتنا، كحركة الخدمة، كانت خلق حالة جديدة من البيروقراطية والقضاء على هؤلاء الذين حاولوا إعاقتها. هكذا كان يتم إبعاد ومنع الأشخاص غير المناسبين للحركة من العودة إلى مناصبهم عبر عمليات قضائية”.

بدوره، قال الرقيب زكريا كوزو إنه اتصل بمنظمة فيتو في 2007م وإنه التقى بعض الأحيان عضواً من المنظمة ومده بمعلومات حول هيئة الجيش.

وعلق الرائد أركان كارليداغ أنه “بما أن السرية هي الأساس في فيتو، فإنني لم ألحظ أعضاءها الذين تغلغلوا في الجيش حتى محاولة الانقلاب. لقد قدم شخصان إلى منزلي يوم الأربعاء. أخبرني أحدهما بأنهم يحضرون قائمة بـ3000 عضو من فيتو في الجيش، وسيتم فصلهم وفقاً للمجلس الأعلى للقوات المسلحة المقبل في أغسطس/آب، وأنني كنت في القائمة أيضاً”.

وأفادت التقارير أن مدير الشرطة غورسيل أكتيبي قد قال “إنه من المستحيل أن تُطلق محاولة الانقلاب من دون علم وأمر الشخص الذي هو على رأس هذه المنظمة، فتح الله غولن. وصلت لهواتفنا رسالة عبر التانغو في ليلة الانقلاب فيها ‘الانقلاب قد انطلق. فليخرج الجميع لتقديم الدعم للانقلاب والتواصل مع الجنرال محمد’.” كما زوَّد الشرطة بأسماء العشرات من أعضاء فيتو.

وورد أن مصطفى كوتشيغيت قال ” استولينا على قائمة بـ 20000 عضواً لفيتو حضرها جهاز الاستخبارات عبر مهندسين. وآخر تطبيق استخدمناه للاتصال كان التانغو وكان 30000 من أعضاء فيتو يستخدمونه. إنني نادم على ما قد فعلت”.

ومنذ محاولة انقلاب 15 يوليو/تموز تم اعتبار بعض خطب غولن كدليل وقد تم تناقلها إلكترونياً. وفي الأسفل قدمنا نصوص لبعض هذه الفيديوهات المتداولة. ورغم أن التواريخ الدقيقة للتسجيل ليست واضحة، إلا أنه يفترض أنه تم تسجيلها في التسعينيات. هذه الفيديوهات مسلم بها كأمثلة على غرس غولن في الأذهان كيفية التغلغل في الدولة التركية. ويدعو الـ (غولنيين) منظمتهم بـ’الخدمة’.

Ÿ  “إن تواجد أصدقائنا (في مواقع معينة) هو ضمانة لمستقبلنا الإسلامي. ولهذه النهاية، فإن وجود أصدقائنا داخل السلك القضائي والعسكري أو في أي مناصب مهمة لا يجب أن يكون تقييمها على أنها مواقع فردية. الأشخاص هؤلاء ضمانة لنا في هذه الوحدات. هؤلاء هم نبض وجودنا إلى حد معين. إنه مهم وبشكل كبير حماية أصدقائنا في أي من هذه المواقع. إن أصدقاءنا سيحصلون على مستقبل براق داخل النظام.”

زعيم منظمة فيتو غولن مقدماً خطبة لأتباعه
زعيم منظمة فيتو غولن مقدماً خطبة لأتباعه

 إنه ملزم وضروري أن يتابع هؤلاء (أتباع غولن) سلوك هذا الطريق حتى يصلوا إلى نقطة معينة من النضج. وإذا ارتكبوا خطأ وأقدموا على خطوة دون الوصول إلى الإدراك ودون تحديد كيانهم كما ينبغي، ودون التقدم الحسمي، فإن العالم سيسحق رؤوسهم… ففي عصر كهذا، ريثما تصلون إلى كيان وإلى الإدراك والقوة على حمل العالم على ظهوركم، وحتى تحصلوا على هذه الأشياء التي تمثل القوة، وحتى تستوعبوا كامل السلطة والقوة في كل المؤسسات الدستورية كما هو مقرر من قبل سلطات الدولة التركية، كل خطوة سابقة لأوانها.

كل خطوة قد تكون مثل كسر البيضة دون انتظار 20 يوماً لتصل إلى النضج.. إنني تحدثت بمشاعري وأفكاري هذه فيما يسمى بالطريقة السرية. لكنني قمت بذلك معتمداً على ولائكم للخصوصية وحساسيتكم تجاهها. أعرف أنكم سوف ترمون بهذه الأفكار في فترات وجودهم كما سترمون علب العصير الفارغة من أيديكم عندما تغادرون هنا. هل أبدو لكم معقولاً؟ نعم. سرك هو عبدك، إذا كشفته سيستعبدك”.

Ÿ “لو أننا نفشل في الإبقاء على الخدمة في سرعة التقدم التي ستمنعهم (موظفو الدولة حول العالم) من الحصول على الصورة (الجوهر)، سيقومون بإعاقتنا. هل أبدو لكم معقولاً؟ إننا بحاجة إلى التحرك بسرعة. إن الـكي جي بي قد حصلت على الصورة إلى حد ما، على حد التعبير. وحصل الموساد على الصورة إلى حد ما…. لكن لو فشلتم في النفاذ إلى حياة ذلك المجتمع كاملة، الدماء والشرايين عندما تبدأ هذه (المدارس) بالإثمار في المستقبل، فإنه يمكنهم المجيء إليكم ويخمدونكم بتغيير نظامهم”.

اضغط هنا لترى دعم غولن للانقلابات السابقة في تاريخ تركيا. وللمزيد من المعلومات حول تورط فيتو في انقلاب 15 يوليو/تموز الفاشل، قم بتنزيل تقريرنا من هنا.

Videos
Report on Fetullah Terror Organization's (FETO) Involvement in the 15 July Failed Coup

تابعونا